قصة وضع التقويم الهجري: كيف اختار الصحابة الهجرة بدايةً للتاريخ؟

نكتب اليوم «1448هـ» دون أن نتوقف كثيرًا عند السؤال: من قرّر أن يبدأ العدّ من الهجرة؟ ولماذا يبدأ العام بمحرم مع أن الهجرة كانت في ربيع الأول؟ وراء هذا الرقم قصة تنظيم إداري حدثت في السنوات الأولى من الدولة الإسلامية، نرويها هنا كما نقلتها كتب التاريخ.

كيف كان العرب يؤرّخون قبل الإسلام؟

عرف العرب الشهور القمرية بأسمائها المعروفة اليوم قبل الإسلام بزمن، لكنهم لم يكن لهم ترقيم موحّد للسنين. كانوا يؤرّخون بالأحداث الكبرى، فيقال: وُلد فلان عام الفيل، أو بعد حرب الفِجار بكذا سنة، أو عام تجديد بناء الكعبة. وكانت كل قبيلة أو ناحية قد تعتمد حدثًا مختلفًا.

وكان بعض العرب يتلاعبون بترتيب الأشهر الحرم فيما عُرف بـ«النسيء»، فيؤخّرون حرمة شهر إلى شهر آخر بحسب مصالحهم في القتال والتجارة، وقد أبطل الإسلام ذلك وأعاد للشهور ترتيبها الثابت.

التأريخ في العهد النبوي وخلافة أبي بكر

بعد الهجرة صار المسلمون يسمّون السنوات بأبرز ما وقع فيها: سنة الإذن بالقتال، سنة الأمر، سنة الوداع، وهكذا. كان ذلك كافيًا لمجتمع صغير في المدينة، لكنه لم يعد يصلح حين اتسعت الدولة وكثرت المراسلات والعهود والديون والدواوين.

المشكلة التي ظهرت في خلافة عمر

تذكر المصادر أكثر من رواية للحادثة التي أظهرت الحاجة إلى تقويم، وأشهرها:

  • أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان واليًا على البصرة، كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر أن كتب الخليفة تصل إليه بلا تاريخ، فلا يُعرف المتقدّم منها من المتأخر.
  • وأن صكًّا رُفع إلى عمر فيه دَين يحلّ في «شعبان»، فقال: أيّ شعبان؟ الماضي أم الذي نحن فيه أم الآتي؟

كلتا الروايتين تشير إلى المشكلة نفسها: الشهر معروف، لكن السنة لا رقم لها.

مجلس الشورى واختيار نقطة البداية

جمع عمر رضي الله عنه الصحابة واستشارهم، وكان ذلك نحو السنة السابعة عشرة للهجرة على المشهور. وطُرحت في المجلس عدة اقتراحات لبداية التاريخ:

  • مولد النبي ﷺ.
  • البعثة النبوية.
  • الهجرة إلى المدينة.
  • وفاة النبي ﷺ.

استُبعد المولد والبعثة لأن تحديد تاريخهما بدقة لم يكن متفقًا عليه، واستُبعدت الوفاة لما فيها من حزن. واستقر الرأي على الهجرة، ويُنسب هذا الرأي في كثير من الروايات إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لأنها الحدث الذي فرّق بين مرحلتين وقامت به الدولة، وتاريخها معلوم للجميع.

لماذا محرم وليس ربيع الأول؟

وصل النبي ﷺ إلى المدينة في شهر ربيع الأول، فكان من المتوقع أن يبدأ العام به. لكن الصحابة لم يريدوا تغيير ترتيب الشهور المعروف عند العرب، وكان محرم أول الشهور في عرفهم. ورُوي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشار بالبدء بمحرم لأنه شهر حرام، ولأنه يأتي بعد انصراف الناس من الحج، فهو بداية طبيعية لعام جديد.

وهكذا صارت السنة الأولى للهجرة هي السنة التي وقعت فيها الهجرة، وبدايتها أول محرم من تلك السنة، أي قبل الهجرة الفعلية بنحو شهرين. ويوافق ذلك اليوم 16 يوليو سنة 622م بالتقويم اليولياني على الحساب المشهور.

ما الذي لم يتغيّر؟

مهمٌّ أن نعرف أن ما وُضع في عهد عمر هو ترقيم السنين فقط. أما الشهور القمرية وأسماؤها وعددها الاثنا عشر والأشهر الحرم فكانت معروفة ومقرّرة من قبل، وبداية كل شهر ظلت مرتبطة برؤية الهلال كما كانت.

من الرؤية إلى الحساب

ظل المسلمون قرونًا يثبتون أوائل الشهور بالرؤية، ومع تطور علم الفلك وضع العلماء جداول حسابية تقريبية لتيسير التأريخ، منها التقويم الجدولي ذو دورة الثلاثين سنة. وفي العصر الحديث ظهرت تقاويم حسابية دقيقة، أشهرها تقويم أم القرى المعتمد رسميًا في المملكة العربية السعودية، وهو الأساس الذي يعمل به محوّل التاريخ الهجري والميلادي في هذا الموقع.

أثر هذا القرار اليوم

بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا ما زال قرار ذلك المجلس حاضرًا في حياتنا اليومية:

  • به نعرف مواعيد الصيام والحج والأعياد.
  • به تُحسب أحكام شرعية كحول الزكاة وعدّة المرأة.
  • وبه تؤرَّخ الوثائق الرسمية في عدد من الدول، ويُكتب جنبًا إلى جنب مع التاريخ الميلادي.

خلاصة

وُضع التقويم الهجري في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو سنة 17هـ لحلّ مشكلة إدارية حقيقية: مراسلات وعقود بلا سنة. واختار الصحابة بعد التشاور الهجرة النبوية بدايةً للعدّ، وأبقوا محرمًا أول الشهور كما كان. ولمعرفة شهور العام الحالي ومواعيدها بالميلادي يمكنك زيارة صفحة التقويم الهجري 1448هـ.